الشيخ محمد رشيد رضا
5
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رجلا ارتكب فاحشة لا أستطيع النظر اليه ولا الحديث معه ، فقال الشيخ : وأنا أيضا أنكرت نفسي مثلك ، ولا حول ولا قوة الا باللّه العلي العظيم . فان قيل ولماذا اخترت ترك وطنك الذي لا ترى ولا تسمع فيه من لمنكر وقول السوء ما ترى وتسمع في مصر التي آثرتها عليه ؟ فجوابي : انني لم أكن أستطيع وأنا في وطني الأول أن أقول الحق ولا ان اكتبه ولا ان أخدم الملة والأمة بما خدمتهما به في مصر ، وأنا أعتقد ان هذه الخدمة فرض عليّ ، وقد آذنتي الحكومة الحميدية عليه في أهلي ومالي وانا بعيد عن سلطتها ، ولو قدرت علي لما اكتفت بمنعي من هذه الخدمة بل لنكلت بي تنكيلا لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ( إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ) اي لكن من ظلمه ظالم فجهر بالشكوى من ظلمه شارحا ظلامته للحكام أو غير الحكام ممن ترجى نجدته ومساعدته على إزالة الظلم فلا حرج عليه في هذا الجهر ولا يكون خارجا عما يحبه اللّه تعالى لان اللّه تعالى لا يحب لعباده أن يسكتوا على الظلم ويخضعوا للضيم بل يحب لهم ان يكونوا أعزاء أباة ، فإذا تعارضت مفسدة الجهر بالشكوى من الظلم وهو من قول السوء ومفسدة السكوت على الظلم وهو مدعاة فشوه والاستمرار عليه المؤدي إلى هلاك الأمم وخراب العمران كان أخف الضررين مقاومة الظلم بالجهر بالشكوى منه وبكل الوسائل الممكنة . وذهب بعض المفسرين إلى أن المعنى : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إلا جهر من وقع عليه الظلم للدفاع عن نفسه ، وقال بعضهم : إن الجهر بمعنى المجاهر ( من استعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل ) أي لا يحب اللّه المجاهرين بالسوء الا المظلومين منهم إذا هبوا لمقاومة الظلم ، ولو بالقول وحده إذا تعذر الفعل وقد علم مما قلناه آنفا أن إباحة الجهر بالسوء للمظلوم أو مشروعيته له هو من باب الضرورات لأنه ارتكاب أخف الضررين ، والضرورات تقدر بقدرها - كما قال أهل الأصول - فلا يجوز للمظلوم ان يتبع هواه في الاسترسال والتمادي في الجهر بالسوء بما لا دخل له في منع الظلم والتفصي منه وأطر « 1 » الظالم على الحق والأخذ على
--> ( 1 ) الاطر في الأصل عطف الشيء ومن المجاز اطرت فلانا على مودتك ، وفي الحديث « لا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا على يدي الظالم وتأطروه على الحق »